محمد أبو زهرة

4524

زهرة التفاسير

أمر اللّه تعالى نبيه أن يعلن أنه قد تبين الرشد من الغى ، وبان الحق بأدلته ، فلا بد أن يعرف كل إنسان ما يختار لنفسه فقال : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) . أي وَقُلِ يا رسول اللّه مبلغا صادعا بالحق وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ، قد ثبت وقام الدليل عليه من ربكم الذي خلقكم ورباكم ويعرف ما فيه خيركم وصلاحكم ، وما فيه ضلالكم وفسادكم ، وقد بين الحق ، وما بقي إلا أن تتبعوا أو تنحرفوا ، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ باتباع الطريق السوى ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ بالابتعاد عن الطريق الأمثل ، وإن اللّه أعد لكل جزاء ، ثم ذكر سبحانه وتعالى ما أعده للمشركين ، فقال : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وصفهم سبحانه بأنهم ظالمون ؛ لأن الشرك ظلم للنفس وظلم للعقل ، مع ظلمات متراكمة من فساد وصد عن سبيل اللّه تعالى ، و أَعْتَدْنا يعنى هيأنا وأعددنا ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها شبه حال الذين يدخلون النار ، وتحيط بهم من كل جانب يكونون في سرادق ويحيط بهم إحاطة الدائرة بقطرها ، أو شبهت النار بسرادق أحاطهم ، وكله نار لا يخرجون من قطر إلا إلى قطر ، وإنهم يكونون في شدة ، والعطش يكوى بطونهم كيا ، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ ، والمهل هو المصهور من الفلزات ، فإنه شديد الحرارة ، وهو يَشْوِي الْوُجُوهَ شيا ، فهو في حرارة تبلغ درجتها الألوف من أرقام الحرارة ، وروى أن منه غليظا كردىء الزيت . هذه جهنم التي تستقبلهم بسبب مجانبتهم الحق ، وانغمارهم في الباطل انغمارا ، وإنها بئس المقام ، وبئس شرابها شرابا ؛ ولذا قال تعالى : بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ، أي هذا شراب مذموم أشد الذم لأنه يشوى الوجوه إن سكب على الوجوه ، لا يستبرد به ولكن تشوى به ، ويقطع أمعاءهم ، وجهنم ساءت مرتفقا أي ما أسوأها مكانا يرتفق ، فلا اطمئنان ، ولكن نيران ولظى ، هذا جزاء